مقالة رأي

وطن مازال يذيع نشيد النصر على الأموات

المقاطرة نيوز | وطن مازال يذيع نشيد النصر على الأموات

بقلم الدكتور عوض أحمد العلقمي

لقد أخذت العنوان حرفيا من نص شعري لنزار قباني ؛ إذ وجدت فيه ضالتي ، عندما وجدته يصور مانحن فيه اليوم بالفعل والصوت والصورة ، مع أن زمنهم كان أفضل بكثير إذا ما قارناه براهننا اليوم ، بل لاوجه للمقارنة ؛ لأمور كثيرة ، منها على سبيل التمثيل لا الحصر ؛ كان القادة في زمنهم يحاولون تقديم شيء للوطن والمواطن وإن رافقهم الفشل والإخفاق ، كان القلة منهم رجالاً ويتمتعون بشيء من الوطنية وإن كانت الغلبة للأكثرية المنبطحة منهم التي توالي الغرب على حساب أوطانها وشعوبها وأمتها ، كانت المصيبة التي تغلبت على الأكثرية منهم هي التعامل مع العدو الصهيوني من تحت الطاولة ، وعدم التوجه نحو بناء جيوش وطنية ، مهمتها الأولى هي الدفاع عن الوطن الكبير من المحيط إلى الخليج أو من طنجة إلى جاكرتا ، بل صنعوا جيوشهم على وفق عقيدة الاحتراب الداخلي البيني وحماية العروش من المواطن فقط .
نكتفي بهذا القدر من مصائب قادة الأمة في زمن نزار قباني ، وسوف ننتقل إلى سرد شيء قليل من كبائر قادتنا في الراهن المؤلم ؛ الكبيرة الأولى أنهم أفرطوا في القروية المقيتة ، وتعالوا وتبختروا في الجهوية اللعينة ، تمادوا وتجبروا وتكبروا في المناطقية المعيبة ، حقا لقد حصروا أنفسهم في حدود العائلة وحسب ، بل تجدهم أحيانا يذهبون إلى ماهو أدنى من ذلك أي يقفون عند حدود ترتيب وضع الأسرة وإطعامها فقط . أما الكبيرة الأخرى فهي أنهم انبطحوا للذي يسوى وللذي لا يسوى من الإقليم والخارج ؛ إذ قدموا أوطانهم وشعوبهم وثرواتهم ومقدراتهم وعزتهم وكرامتهم قرابين مجانية ؛ لخصومهم وأعدائهم مقابل ارتزاقهم هم وأسرهم وسفرياتهم إلى خارج البلاد ؛ تجدهم يمارسون رياضة التزلج على الثلج في البلدان الشرقية وشعوبهم تموت جوعاً ؛ إذ لم يعد الموظف في الصحة ، في التربية والتعليم ، في الجيش والأمن ، في الجامعات والمرافق الأكاديمية وغيرها يحصل على راتبه الذي ـ لايسد الرمق في الأصل ـ ولكنه سوف يساعد على شراء بعض الأمور الضرورية من قوت الموظف ومن يعولهم ، وكذلك تجد أولئك الشواذ يستمتعون على كباري الصين الشاهقة في القطارات السريعة ، ويتجولون في أعالي سور الصين العظيم ، وتكتض بهم نوادي الرقص الليلية ، ومراكز الدعارة في كثير من البلدان الأوربية والأسيوية والأفريقة ، وأوطانهم تدوس على طهارتها ، وتمزق عذريتها أقدام المحتلين والطامعين من الخصوم والأعداء والصهاينة الغاصبين .
ومن الكبائر أيضا أن تجد أولئك الشواذ يسعون جاهدين لبث الفرقة ، وزرع الضغينة ، ونشر الكراهية عبر إذكاء الطائفية والمذهبية والقبلية ؛ لتدمير نسيج المجتمع وتمزيقه تمزيقا شاملاً ، إرضاء لأسيادهم ومشغليهم وكافليهم .
غير أن المصيبة الكبرى والداهية العظمى هي أن هذا كله يحصل على مدار الساعة والغالبية العظمى من هذا الشعب لاتحرك ساكنا ، بل لاتهش حتى الذباب الذي تسلط عليها ـ جراء المجاعة ـ وأصبح يطرب في مساكنها ، ويرقص على أبدانها ، ويأكل من عيونها وأفواهها . حقا إننا في وطن مازال يذيع نشيد النصر على الأموات … لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .


اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

يسعدنا أن تسجل رأيك وتذكر تعليقك يعكس للأخرين شخصيتك وثقافتك وإخلاقك

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading